صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
267
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
نظام المؤاخاة : حصل جدل بين العلماء حول مدى صحة المعلومات التي أوردتها بعض المصادر « 1 » . عن مؤاخاة جرت في مكة بين بعض المهاجرين من أهل السابقة « 2 » . ولكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قد فنّدا ذلك ، وتابعهما الحافظ ابن كثير « 3 » . ولم تشر كتب السيرة الأولى إلى وقوع المؤاخاة بمكة ، كما لم يرد عنها رواية صحيحة . شرع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وقد شمل ذلك خمسة وأربعين من المهاجرين ومثلهم من الأنصار « 4 » ، وترتب على هذا النظام حقوق خاصة بين المتآخيين كالمواساة في مواجهة أعباء الحياة والتوارث بينهما دون ذوي الأرحام « 5 » . وتصور بعض المرويات الصحيحة عمق التزام الأنصار بنظام المؤاخاة ومدى حرصهم على تنفيذه ، كما تصور مدى أنفة وكرم أخلاق المهاجرين وامتناعهم عن استغلال إخوانهم « 6 » . استمر العمل بنظام المؤاخاة إلى ما بعد غزوة بدر الكبرى حيث ألف المهاجرون جو المدينة ، وعرفوا مسالك الرزق فيها ، ووثقوا علاقتهم بإخوانهم المسلمين من الأنصار وغيرهم ، وأصابوا من غنائم معركة بدر الكبرى ما كفاهم . ولذلك فقد ألغي التوارث في نظام المؤاخاة ، وعاد إلى وضعه الطبيعي القائم على أساس صلة الرحم « 7 » . وقد جاء ذلك الإبطال بنص القرآن الكريم في قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 8 » . غير أن ذلك لا يعني إبطال مؤاخاة المواساة والتعاون والتناصح فقد أورد البخاري في صحيحه خبرا عن المؤاخاة بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي « 9 » ، كما تورد المصادر مرويات عن مناسبات جرت فيها حالات مؤاخاة أخرى تقتضي المؤازرة والرفقة دون حقوق التوارث ، هذا إضافة إلى أن المؤاخاة التي شرعت بين المؤمنين والتي نص
--> ( 1 ) أورد ذلك البلاذري - الأنساب 1 / 270 ، ابن عبد البر - الدرر في اختصار المغازي والسير ص / 100 ، ابن سيد الناس - عيون الأثر 1 / 199 ، إضافة إلى الحاكم ( نقله ابن حجر - فتح الباري 7 / 271 ) . ( 2 ) مؤاخاة أبي بكر وعمر ، وطلحة والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف وعثمان ، والزبير وابن مسعود ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعلي بن أبي طالب ، وحمزة وزيد بن ثابت . ( 3 ) ابن تيمية - منهاج السنة 4 / 96 - 97 ، ابن القيم - زاد المعاد 2 / 79 ، ابن كثير - السيرة النبوية 2 / 324 . ( 4 ) يذكر البلاذري - أنساب 1 / 270 : أنه لم يبق من المهاجرين أحد إلّا آخى بينه وبين أنصاري ، وانظر ابن سعد - الطبقات 1 / 21 مما يجعل عدد المهاجرين معلوما عند التشريع . ( 5 ) البخاري - الصحيح 3 / 119 ، 6 / 55 - 65 ، 8 / 190 - 91 ، مسلم - الصحيح 4 / 1960 ، ابن سعد - الطبقات 1 / 9 د ، ابن عبد البر - الدرر 96 ، ابن القيم - زاد المعاد 3 / 79 . ( 6 ) انظر مثلا قصة مؤاخاة عبد الرحمن بن عوف بسعد بن الربيع الأنصاري وما جرى بينهما : البخاري - الصحيح 5 / 39 ، النسائي - السنن 6 / 137 . ( 7 ) ابن سعد - الطبقات 1 / 9 ، ابن القيم - زاد المعاد 2 / 79 . ( 8 ) القرآن الكريم - سورة الأنفال ، الآية / 75 ، ويذكر ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أن نسخ التوارث بالمؤاخاة قد تم حين نزل قوله تعالى وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ( النساء / 33 ) ، مسلم - الصحيح 4 / 1960 . ( 9 ) البخاري - الصحيح 3 / 47 ، 5 / 88 .